تحت الأنقاض

تحت الأنقاض

(تحت الأنقاض.. قال أبو حسن لروحه قبل أن تتركه وحيداً و تنسلّ كحرباء مذعورة من شقّ صغير في آخر رواق الطابق السفلي من المحكمة: لو أنّني أخذتُ قراري فبعتُ داري و هاجرت).

بعد تحرير إدلب و شروع طائرات النظام فوراً بقصفها.. انخفضت أسعار العقارات كثيراً، لكنّما صار لأسعار البيوت معادلة مؤثّرة، إذ صارت قيمة المنزل تتناسب عكساً مع علوّ طابقه، فكلّما علا الطابق نقصت الأسعار.

واحد من السماسرة المخضرمين وضع –حسب رأيه- مُحدِّداً جديداً للأسعار، فاعتبر أن قيمة الأقبية و الطوابق الأولى قدِ انخفضت نحو 25% من قيمتها السابقة، الطوابق الوُسطى من 40 إلى 50% منها، و الطوابق العُليا من 60 إلى 80%، و أمّا المُلحقات.. فلا قيمة لها بالفعل، لأنها غير محميّة سوى بأسقفها، و الطيران.. طيران النظام يحطّم الطوابق ابتداءً من الأعلى وحتّى أسفل ما باستطاعته!.

(ظلّت أمّ سليم عالقةً بين جثّة زوجها المُمَزَّقة و نصف جثّة ابنها المحروقة ساعات بتوقيتنا نحنُ.. حتّى غاب عنها هذا المشهد أخيراً، فتلاشت هي الأخرى بعد الغارة الثانية).

بعد "المجزرة الرهيبة" التي ارتكبها الروس بطائراتهم فقتلوا فيها أكثر من مائة سوريّ مدنيّ عبر أربع عشرة غارةٍ نُفِّذَت على مبانٍ عدّة في إدلب يوم 20/12/2015، اتّضح أن ثمة أوضاع و أساليب جديدة –إن لم نقل معكوسة- في القصف.. قصف المدن، لم تكن معروفةً من قبل أبداً، أوضاع و أساليب تجعل كلّ طوابق الأبنية على درجة واحدة من الخطورة، بل تصبح الخطورة أكبر كلّما انخفض علوّ الطوابق، عكس معادلة السمسار المُخضرم، باختصار.. الطيران الروسي يجعل عالي الأبنية أسفلها، يهدّها هدّاً، يدكّها دكّاً، و يسويّ أسطحتها بالأرض، فيصبح من يحتمون بالملاجئ.. الأقبية.. أو الطوابق السفلية في خطر الوقوع و العُلوق تحت أنقاض البناء كلّه، حيث يصبح برمّته جملة واحدةً من الخطر و مقبرةً واحدةً للموت!.

(بحث عبد العزيز بيده اليُمنى عن أيّ شيء يُمسك به، فلم يعثر سوى عليها، يده اليُمنى، بلا أصابع أو ساعة..).

(سالَت من جبين حسّان على وجهه دماؤه، ثمّ أوغلت في فمه، فشرب منها قسراً، ليموت مرتوياً بدمه..). 

قضى الطيران الروسي إذاً على قواعد التسعيرة التي وضعها التُّجار و الدلّالون للمنازل الطابقية في إدلب قبلاً، فَفُرِضَت سياسة أُخرى، ربّما يكون أوّل نتائجها تزعزع ثقة الناس بإمكانية وجود أيّ مكان.. ملاذ.. أو مخبأ آمن ضمن أيّة عمارة أو بناء!.

و مع واقعة بقاء رجال الدفاع المدني و المتطوّعين في إدلب ثلاثة أيّام يبحثون عن مفقودين أو جثث مفقودين أو أشلاء مفقودين أو آثارهم بعد الغارات الروسية ذات الأوضاع و الأساليب الجديدة، يمكن القول أن الإصابة في الأقبية على إثر هذه الغارات صارت تعني الموت البطيء المؤلم إلى الحدّ الذي لن يعرفه سوى من أصيبوا على هذا النحو، فكُسرت أطرافهم، قُطّعت أوصالهم، غرقوا في دمائهم، و لم يعد بإمكانهم الصراخ في طلب النجدة، و لا النطق.. بأيّ شيء، مجرّد أنّات ألم رهيب.. آهات رجاء مكتوم.. و أمنيات عيون يائسة تبحث بين الدم و الغبار عن فرجة ينبثق منها شعاع من خارج القبر الأوّل، القبر الذي تحت الأنقاض.

(تحت الأنقاض كانت لميس تسمع كلّ الأصوات التي في الخارج، و تميّز صوت أمّها بوضوح فتسمعها تصرخ: بنتي تحت.. دوروا عليها لسه عايشة، ماما ماما.. لا تخافي أنا هون..).

تحت الأنقاض أيضاً.. كان السمسار المُخضرم صاحب معادلات و معدّلات أسعار البيوت عالقاً في قبو المحكمة، بعد أن أُلقِيَ إليه من الطابق الثالث، فلبث ساعات حيّاً بلا حراك، و قد التصق جسده بشكل ما بجسد رجل آخر دون أن يُدرك ذلك.

لكنّه كان مُكتمل الوعي عارفاً تماماً ما الذي حدث، و يتذكّر بدقّة تفاصيل المُعاملة التي أتى من أجل إنجازها، حتّى أنّها كانت حاضرةً في ذهنه معادلاته عن أسعار البيوت، لكنّه قرّر أن يغيّرها كلّها حين يخرج بالسلامة، قال: ههههه ها ها ها ههه، نوبة ضحك مفاجئة.. مُخاتِلة.. غريبة.. مُدهِشة، انتابته للحظات، قبل أن يلفظ آخر أنفاسه مُتحشرجاً بالغبار و الضحك!.

ها ما أكّده لصيقُه في الأنقاض.. و أضاف:

كان -لولا ضحكته الهستيرية- سيقول شيئاً مهمّاً، مهمّاً للغاية.

التعليقات (1)

    عبد الكريم عفارة

    ·منذ 8 سنوات 3 أشهر
    اللهم لاحول ولاقوة إلا بك اللهم ارحم شهدائنا واجبر قلوب السوريين الموجوعة
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات