تعذيب وخنق وتزوير.. مشفى تشرين العسكري مسلخ "مرضى" المعتقلين بسجون أسد

تعذيب وخنق وتزوير.. مشفى تشرين العسكري مسلخ "مرضى" المعتقلين بسجون أسد

أصبحت المشافي العسكرية خلال الثورة السورية مسلخاً تقتصّ به ميليشيا أسد ومخابراتها من معارضيها، وتحوّلت هذه المشافي لثكنات عسكرية وسجون تابعة للأفرع الأمنية، ساهمت بالمزيد من عمليات التعذيب والقتل والضرر بالمعتقلين السوريين أو من خرج ضدّ أسد.

وكشف تقرير مطول أصدرته "رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا"، الثلاثاء، الدور الذي تلعبه ميليشيات المخابرات والشرطة العسكرية والطواقم الطبية والإدارية في مشفى تشرين العسكري في عمليات التصفية والإخفاء القسري للمعتقلين. 

وأورد التقرير تفاصيل المسارات التي تسلكها جثث المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب، كاشفاً المسؤولين عن عمليات توثيقها وإعداد الملفات الخاصة بها وحفظها، وإعطاء الأوامر بنقلها ودفنها في المقابر الجماعية.

واعتمد التقرير على 154 مقابلة مع 32 سجيناً سابقاً، وينقسم إلى 6 أجزاء، توضح هيكلية المشافي العسكرية وأهمية "مشفى تشرين العسكري" بالتحديد.

"سياسة متعمدة"

ويتحدث التقرير عن مكان ضمن مشفى تشرين يسمى “النظارة” تديره الشرطة العسكرية تحت إشراف الفرع 227 التابع للمخابرات العسكرية، وهو المحطة الأولى التي يتم فيها استقبال المعتقلين المرضى وكذلك جثامين المتوفين سواء كانوا من هؤلاء المرضى أو ممن فقدوا حياتهم في أحد مراكز الاحتجاز.

وتترافق عملية النقل من مراكز الاحتجاز إلى المشفى باعتداءات وحشية تصل إلى حد فقدان الحياة في كثير من الحالات. فيما يُجبَر المعتقلون المرضى على نقل وتجميع جثث من توفي منهم عند الباب الخارجي للنظارة، وفي مرحلة لاحقة وضعها في الآليات.

وتَوصّل التقرير إلى أن الإجراءات التي تتبعها ميليشيا أسد في المشافي العسكرية، بدءاً من دخول المعتقل وصولاً إلى نقل ودفن جثته في المقابر الجماعية، تعطي تأكيداً على أنها "سياسة متعمّدة".

 جرائم تعذيب وحشية 

ويقول دياب سرية، المدير التنفيذي لرابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا: “يقدم التقرير معلومات دقيقة عن جرائم تعذيب وحشية حصلت في مشفى تشرين العسكري، كما يحدد بِدقّة أماكن دفن المعتقلين المتوفين والجهات التي تحتفظ بنسخ عن ملفاتهم. لا تستطيع حكومة النظام الإنكار أو الادّعاء بجهل هوية الضحايا، ولا يعوقها شيء عن كشف أسماء المعتقلين المتوفين وأعدادهم سوى الإرادة السياسية".

وتابع: "ندعو المجتمع الدولي والدول المطبّعة مع النظام السوري إلى التعامل بجدية مع المعلومات الواردة في التقرير والطلب من النظام تسليم قوائم أسماء المعتقلين المتوفين الموجودة في القضاء العسكري والشرطة العسكرية كخطوة أولى صغيرة على طريق حل قضية المفقودين. يتيح وجود مثل هذه السجلات والتوثيقات فرصة كبيرة للمؤسسة الدولية الجديدة لاستجلاء مصير المفقودين في سوريا وأماكن وجودهم لتحديد نقطة انطلاق أولى للكشف عن مصير الضحايا”.

تزييف وقائع الوفاة

كما كشف التقرير عن دور شعبة الطبابة الشرعية في مشفى تشرين العسكري في تزييف أسباب وفاة المعتقلين الحقيقية وتسهيل عمل المفرزة الأمنية في استلام الجثث والإساءة إليها قبل نقلها إلى المقابر الجماعية، بالتعاون مع الشرطة العسكرية المسؤولة عن عمليات توثيق الجثث وتصويرها وإعداد الملفات اللازمة لعرضها على القضاء العسكري في مرحلة لاحقة، بالإضافة إلى مسؤوليتها عن عمليات التحميل وحماية الآليات المُعدّة لذلك.

ووفق ناجين وموظفين سابقين، يتم التعامل مع المعتقلين عند وصولهم إلى مشفى "تشرين" ضمن سلسلة محطات، يخيّم الموت والتعذيب على كل تفاصيلها.

وتتولى "الشرطة العسكرية" مهمة استلام الجثث واحتجاز المعتقلين في "النظارة"، بينما المخابرات تُوكَل بمهمة مراقبة العاملين والإشراف على تحميل الجثث ونقلها بسيارات مختلفة إلى المقابر الجماعية.

في غضون ذلك، تتولى أقسام داخل المشفى دوراً أيضا، من بينها "الإسعاف البديل" (يختلف عن قسم الإسعاف الرئيسي)، والذي يعتبر المحطة الثانية التي ينقل إليها المعتقلون، ليتم نقل من يموت منهم إلى "الطبابة الشرعية".

وتُوكَل لـ"الطبابة الشرعية" مهمة دور الوسيط بين المفرزتين العسكريتين، والتي تتمثل بـ"إضفاء الشرعية على الجريمة، من خلال تزييف وقائع الوفاة، ونسب أسبابها إلى ظروف طبيعية كالسكتة القلبية".

تصفية المعتقلين بالخنق

ويقول الشاب الناجي محمود وهو من أبناء ريف حماة كان قد اعتقله النظام عام 2014 بسبب مشاركته في المظاهرات: "عندما يذهب أي شخص إلى المشفى يضع في باله دائما أنه سيتلقى العلاج. لكن هذا المشهد يختلف جذريا بالنسبة للمعتقلين، لأنه يعرف (المعتقل) أنه سيُعذّب ويُقتَل فيه. هنا الفاجعة الكبرى".

ويروي رعب المحطة الأولى في "تشرين"، التي يُنقل إليها المعتقلون من السجون، ويقول: "تضم النظارة أو كما تسمى أيضا بـ(الزنزانة) عناصر ومساعد وشاويش، توكل إليه مهمة قتل وتعذيب المساجين المرضى".

ويضيف: "قتل المعتقلين وأوامر التنفيذ من جانب المساعد تأتي بغرض التخلص من المرضى المعتقلين، قبل أن يتم نقلهم إلى مركز تحليل الدم".

ويكمل الشاب: "ببساطة يعطونه عصا صغيرة وعليها خيط. هذه هي الطريقة التي كانت تتم فيها تصفية المعتقلين بالخنق".

ويوضح أن "90 بالمئة من المعتقلين الذين ينقلون إلى مشفى تشرين لا يعودون"، وأنه في إحدى الحالات نُقل مع 20 معتقلاً إلى "النظارة"، "عاد منهم اثنان فقط على قيد الحياة".

تزوير الحقيقة

ويقول شادي هارون، مدير برنامج التوثيق وجمع الأدلة في الرابطة: “حصلت عمليات التصفية والإخفاء القسري ضمن سلسلة معقّدة من الإجراءات البيروقراطية كسياسة ممنهجة وظّف النظام لأجلها العديد من الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية والقضائية المتواطئة في تزوير الحقيقة وتغطية آثار الجريمة، وإحباط أي تحقيق في ادعاءات الضحايا أو الكشف عن مصير المختفين قسرياً”.

ويوضح التقرير بعناية عملية إعداد إضبارة الوفاة الخاصة بالمعتقلين، ويعرض الأدوار والمسؤوليات التي تتقاسمها مؤسسات ميليشيا أسد في إعداد الملفات والأوراق اللازمة لتوفية المعتقل وإبلاغ أمانات السجل المدني وهيئة أركان الجيش والقوات المسلحة بحوادث الوفاة. 

وفي فقرته الأخيرة يشرح التقرير الفرق في المعاملة التي يقدمها مشفى تشرين للمقربين من السلطة وعائلاتهم، والتي تجعله مكاناً للرعاية والعلاج وفي الوقت ذاته مكاناً لتصفية المعتقلين المعارضين وإخفائهم.

ونقل التقرير عن عامل سابق في مكتب الآليات في محافظة دمشق قوله، إنه "طُلب منه حفر خندق بطول 10 إلى 15 متراً وبعمق أكثر من 3 أمتار في مقبرة (نجها) الجماعية".

ويقول: "عقب ذلك، وصلت سيارات فيها أكثر من 450 جثة، وطلب مني ضابط أمن أن أجرفها وأنزلها في الخندق. كانت الجثث الملقاة على الأرض تعيق حركتي.. حاولت الالتفاف حولها كي لا أسحقها تحت البلدوزر".

وتابع: "لكن الضابط لوح بيده وأمرني بالتقدم وأجبرني على سحقها تحت الدولاب (العجلات)، وصرت أحمل الجثث بسطل (مجرفة) البلدوزر وأرميها في منتصف الخندق الذي حفرته".

وتشير لجنة التحقيق الدولية إلى 3 مشافٍ عسكرية (المزة، تشرين، حرستا) كان يتم فيها إصدار تقارير تزيّف ظروف الوفيات الخاصة بالمعتقلين، بطريقة تخفي مسؤولية أجهزة الأمن.

 

التعليقات (2)

    الحق يُقال

    ·منذ 8 أشهر أسبوعين
    للأمانة والحق يُقال: مشفى تشرين العسكري "للنخبة" من أرقى المشافي في سوريا متقدم جداً. ربما هذه ميزة لأهالي الضباط في سوريا أسوة عن غيرهم. أما المشافي الحكومة "للعامة" في دمشق مثلاً المجتهد أو المواساة "الدخول إليها مرعب على الإسعاف مثلاً" بحكم المناظر والناس التي فيها "من قاع المجتمع أو بتعبير ألطف من كل المناطق السورية"، وحوادث وروائح ودم وعجقة وصريخ يا لطيف. هذا عن تجربة خاصة. مشفى تشرين العسكري غير عالم. والله على ما أقول شهيد.

    عامر العلوش

    ·منذ 8 أشهر أسبوعين
    حسبنا الله ونعم الوكيل احنا الله اللي ياخذ حقنا ابني شاب قتلوه في مشفى تشرين واعطوني تقرير انه توفى نوبه قلبيه الله ينتقم منهم .كل من كان له يد فيها
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات