عندما تكون الهويّة الوطنية صمام أمان

عندما تكون الهويّة الوطنية صمام أمان

ليس من نافل القول ولا من غريبه أن يقول السوري المنتمي إلى الأكثرية السنية إنه مادة الثورة السورية وصاحبها ومفجرها عام 2011 دون منازع؛ ذلك أنهم الوحيدون من دفع الثمن الأكبر قتلاً واعتقالاً وتهجيراً وتدميراً لمدنهم وحواضرهم، وهذا لا ينفي أن هناك من الأقليات من شاركه ثورته وسار معه على ذات الطريق ودفع على المستوى الفردي أثماناً باهظة نتيجة لموقفه الأخلاقي مع إخوته من أبناء الثورة.

ولا غرابة أن يشعر هذا السني باليتم بعد اثنتي عشرة سنة من النضال والثورة ضد نظام الأسد؛ ذلك أن ما يسمى العالم المتحضر تركه لقمة سائغة يلتهمها إجرام النظام دون رادع ديني أو أخلاقي، فدمه وكل شيء يخصّه مباح، وكأن النظام قد حصل على الضوء الأخضر من القوى المتحكمة في العالم أن يفعل كل هذا الذي فعله، ولن يحاسب على أفعاله، فاستخدم في حربه الظالمة ضد المسلمين السنة كل ما يخطر على بال، وما لا يخطر على بال، حتى يقضي على ثورتهم ويبقى متربعاً على عرش السلطة. 

ورغم أن الأقليات السورية غير "العلوية"، حاولت الابتعاد ما أمكن عن المشاركة في المذبحة التي أرادها لها الأسد، غير أن الدروز كان لها موقف مشرف، فقد امتنعوا عن تجنيد معظم أبنائهم في جيش النظام الذي استخدمه في قتل السوريين وتدمير مدنهم، وهذا الموقف المشرّف دفع النظام سنة 2019 إلى استجلاب تنظيم داعش من منطقة الحجر الأسود في دمشق إلى حدود السويداء ليقوم بترهيب أهالي السويداء وتهديدهم ودفعهم إلى إرسال أبنائهم إلى الخدمة الإلزامية في الجيش، إلا أن ذلك كله باء بالفشل، وبقي الموحدون الدروز على موقفهم الصلب في هذا الموضوع.

أما الأقلية العلوية التي تنتمي إليها عائلة الأسد، كانت يد النظام التي تبطش وتقتل وتدمّر إلا من رحم ربي، فأصابها من الويلات من فقدان عنصر الشباب ما أصاب السنة من هذه الناحية، ولذلك نستطيع القول إن أكثر من دفع ثمناً باهظاً في هذه الحرب التي تلت انطلاق الثورة هم السنة أهل الثورة والعلويون الذين جعل الأسد معظمهم مادة يحرق بها النظام خصومه في سبيل الحفاظ على سلطته.

ولعلّ المتابع للشأن السوري منذ انطلاق الثورة عام 2011م يدرك أن السّنّة مادة الثورة السورية متفرقون ولا تجمعهم مرجعية تقودهم في معركة مصيرهم، فلو أنهم كانوا على كلمة رجل واحد كما نرى ذلك إلى حدٍّ ما في الأقليات، لما صمد النظام كل هذه الفترة، ولسقط مبكراً، ولكن هؤلاء أي السنة تجد قسماً منهم قام بالثورة، وآمن بها، فعاداه قسم آخر منهم ووقف مع النظام في حربه ضد أبناء جلدتهم، مقابل مكاسب مادية بسيطة أو مناصب لا تسمن ولا تغني من جوع.

وهذا التفرّق والتشرذم الذي يعاني منه السنة هو الذي كسر ظهرهم، وكان السبب في تعثّر ثورتهم وعدم انتصارها رغم كل ما قدّمت من تضحيات، فوقوف قسم لا بأس به منهم مع النظام فتح الطريق لتصديق كذبة النظام أنه دولة تحارب منظمات إرهابية، وليست القصة قصة ثورة شعب ضد نظام حاكم.

ومن جانبٍ آخر لعل الرواية التي اعتمدها المجتمع الدولي في توصيفه لما يحدث في سوريا أنها "حرب أهلية"، ما هي إلا حجة لتبرئة ذمته إعلامياً ولإسكات صوت ضميره الذي يؤنبه نفسياً على سكوته على هذه المحرقة، ولعل هذا التوصيف راق للنظام، فهو أفضل على كل حال من وصف ما يحدث أنه "ثورة شعب".

لم يدّخر النظام جهداً في تقديم نفسه منذ أن اعتلى سدة الحكم أنه حامي الأقليات، ولا شكّ أن في هذا الادعاء الكاذب إلحاقاً لتهمة الإجرام والتوحّش بحق الأكثرية السنية، فممن يحمي الأقليات إذاً؟ هل هناك خطر عظيم يهدد وجودهم سوى كابوس وصول السنة إلى السلطة؟ وكأنهم أي السنة عندما يحكمون البلد سيذبحون الباقين من الأقليات، ناسين أو متناسين أن السنة منذ مئات السنين وهم يحكمون البلاد، وهذه الأقليات موجودة ومتعايشة مع الواقع ولم يقترب منها أحد، أو يسئ إليها.

ثم جاءت ثورة السويداء ذات الغالبية الدرزية بعد سنين من الصمود في وجه النظام وعدم إرسال أبنائهم للخدمة الإلزامية كما مر آنفاً، لتقلب الطاولة على النظام وكذبته التاريخية حول حمايته للأقليات، وتبث الأمل من جديد في نفوس السوريين من اقتراب ساعة الخلاص، فهذه إحدى الأقليات الرئيسية في البلاد وهم المعروفون بتاريخهم النضالي ضد سلطة الاحتلال الفرنسي، أضف إلى ذلك مواقف مرجعياتهم الوطنية التي عملت على جمع الصف ووحدة الكلمة بين السوريين، فها هم يثورون ضد نظام الأسد مطالبين برحيله، ومتبنّين في الوقت نفسه أهداف الثورة السورية التي انطلقت عام 2011م.

ورغم تباين مواقف السوريين الأحرار من ثورة السويداء، إلا أن الغالبية العظمى منهم أيدتها وشجعتها واعتبرتها مرحلة لاحقة للثورة السورية التي قاموا بها عام 2011م.

ولعلّ أهم ما يترتب على الأكثرية السنية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ ثورتهم على الظلم والاستبداد، هو تصدير خطاب وطني جامع يطمئن الآخر المتوجّس بسبب دعاية النظام المغرضة التي عمل على تثبيتها طويلاً، حتى تسحب هذه الأكثرية المنكوبة البساط من تحت قدميه، فهذا الخطاب الوطني القائم على الهوية الوطنية السورية كفيل بجمع السوريين على كلمة سواء لمواجهة المحنة التي لم تترك أحداً منهم بخير، وهذه الهوية هي صمام الأمان الذي يجمع ولا يفرق، ويجعل من الهويات الفرعية الضيقة عديمة الأثر والتأثير.

التعليقات (0)

    0

    الأكثر قراءة

    💡 أهم المواضيع

    ✨ أهم التصنيفات