قوارب الموت.. ولا ذل الحياة

قوارب الموت.. ولا ذل الحياة

سلطت حادثة غرق قارب المهاجرين قبالة سواحل اليونان الأسبوع الماضي الضوء مرة أخرى على حوادث غرق "قوارب الموت" التي تقل مهاجرين غير شرعيين عبر البحر الأبيض المتوسط، نحو الحلم المنشود في أوروبا وتبرز هذه الحادثة مثل غيرها من الحوادث "مخاطر طريق الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، التي يتحملها المهاجرون، والصراع السياسي الداخلي الذي أحبط استجابة أوروبية آمنة للفارين من الحرب والفقر.

يعتبر قارب المهاجرين الذي غرق الأربعاء قبالة السواحل اليونانية وعلى متنه 750 شخصاً من بينهم سوريون أحد أسوأ المآسي في المتوسط خلال عقد، بعد أن دخلت سوريا التاريخ من خلال أشهر موجات  لجوء ونزوح شهدها العالم في   بدايات القرن الواحد والعشرين.

حملت السفينة المتهالكة التي انطلقت من ليبيا مئات الأشخاص، بينهم 120 سورياً بالإضافة إلى فلسطينيين ومصريين وباكستانيين وغيرهم حين انقلبت قبالة شبه جزيرة بيلوبونيز اليونانية. ووفق ناشطين وسكان سوريين، فإن غالبية الركاب السوريين ينحدرون من جنوب البلاد، وخصوصاً محافظة درعا.

وانتشل خفر السواحل اليوناني 78 جثة من البحر بعد ساعات من انقلابه، كما تم إنقاذ 104 أشخاص. وما تزال عمليات البحث عن أكثر من 500 من المفقودين مستمرة لليوم الثاني من الحادثة، لكن الآمال في العثور على أحياء "تتضاءل دقيقة تلو الأخرى".

طريق الهجرة في وسط البحر الأبيض المتوسط الذي ينقل المهاجرين من ليبيا إلى أوروبا هو أكثر طرق الهجرة دموية في العالم، حيث يمثل أكثر من نصف الوفيات المبلغ عنها في البحر الأبيض المتوسط، وتتابعه المنظمة الدولية للهجرة منذ عام 2014، وهذا الطريق تكون إيطاليا عادة وجهته الرئيسية، وفقاً لأسوشيتد برس. 

والسفر عبر ليبيا يوصف بأنه كارثي، حيث تؤكد المصادر، أن مهربين يعملون على إرسال مئات اللاجئين السوريين عبر "قوارب الموت" بأسعار تعد مناسبة بعض الشيء حيث تصل لحد 4500 دولار أميركي، وبعد إرسال هذه القوارب لا يهم المهربين إن كان هؤلاء قد وصلوا بخير أم لا ولا يعنيهم ذلك. وكذلك خفر السواحل الأوروبية لا يستجيب لنداءات المهاجرين اليائسة للحصول على المساعدة، ويبدو أن السلطات الإيطالية واليونانية تأخرت في عملية الإنقاذ لغرق القارب الأخير. 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الثورة في سوريا وما أعقبها من تطورات كبيرة جعلت السفر خارج سوريا عبر البحار حلماً لكل سوري، خاصة أن السفر بالسفن أرخص وسيلة  لنقل البشر  نحو أوروبا، لذلك انصبّ اهتمام الناس الراغبين بالهجرة إلى بيع ممتلكاتهم لتحقيق هذا الحلم وهذا الحلم لا يبدده سوى عدم تمكنهم من جمع المبلغ المطلوب للسفر.

 لاجئون من مختلف طبقات المجتمع 

في بدايات الثورة لاقت موجات اللجوء من سوريا إلى أوروبا رواجاً كبيراً من قبل شرائح مختلفة من المجتمعات السورية المتوسطة والفقيرة، إذ سعى عشرات الآلاف من السوريين إلى طلب اللجوء إلى القارة الأوروبية بحثاً عن حياة أكثر أمناً ومستقبل جديد. بالنسبة لهؤلاء كان هذا اللجوء يعني الكثير، وكانوا مستعدين للتضحية بكل ما يملكون من أجل القيام بها. أما بالنسبة للطبقة الغنية، فكانت الرحلة إلى أوروبا أو كندا أو أمريكا الشمالية أحد أوجه الهروب نحو الترف ونوعاً من المحافظة على الرفاهية التي لم تعد موجودة في سوريا. 

سوريا مأساة بحجم الوطن 

تكاد تكون الظروف الاقتصادية والأمنية ووصول نسبة البطالة إلى أكثر من 90% بالتوازي مع الارتفاع الجنوني في الأسعار وتوقف الخدمات العامة وفقدان الأمل في إيجاد الحل للصراع في سوريا بعد كل الدمار والخراب. واليأس من جميع أطراف المعارضة ومع تخاذل المجتمع الدولي في إيجاد الحل للقضية السورية، هي أبرز الأسباب التي تدفع بالسوريين  للهجرة باتجاه بلدان أخرى بحثاً عن حياة أفضل سواء كانوا داخل سوريا أم في دول الجوار فهناك مشكلات وصعوبات تجبرهم للمخاطرة بحياتهم وأموالهم عبر اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة إلى أوروبا.

والآن بعد مرور أكثر من عقد على الحرب، ازدادت الظروف سوءاً، لدرجة أن الوضع بات لا يطاق، ولا يوجد حل أمام النسبة الأكبر من الأهالي، خاصة الشبان، سوى الهجرة مهما كانت العواقب.

14 مليون سوري هربوا منذ اشتعال الحرب السورية، وهو ما يمثل حوالي أكثر من 50% من عدد السكان قبل الحرب، وهي نسبة نزوح ولجوء لم تشهدها سوريا عبر التاريخ، بسبب الصراع المستمر والانسداد السياسي والوضع الاقتصادي الصعب، وغيرها من الأسباب الأخرى، التي أدت إلى ما يعانيه السكان الآن.

الموت يلاحق السوريين من البر إلى البحر 

الموت يلاحق السوريين  في البحر والأرض على الأرض من الجوع والخوف، وفي البحر في المياه العميقة التي  اختارها السوريون مكاناً آخر  للرعب وللموت وتبدو كلمة "رعب" وما يرادفها من مشاعر الخوف لا تصل لدرجة ما نحسه في توصيف كارثة غرق القارب لساعات وربما أيام شاهد الركاب الجحيم بعينه، إنها تجربة كانت تزور أحلامهم، وتحققت في ساعات حياتهم الأخيرة.

السوريون يموتون مرتين 

 المأساة في حادثة غرق هذا القارب أن ركابه استنجدوا من ينقذهم يومين  أي 48 ساعة  حسب أقوال ناجين دون جدوى بينما كان الاتحاد الأوروبي يجتمع لدراسة الحلول الأفضل لجعل طرق اللجوء أكثر أمناً والجامعة العربية مع تركيا تفاوض  النظام السوري على العودة الآمنة للاجئين.

من بين الأرواح المعذبة في قاع المتوسط، أرواح سوريين ومصريين وباكستانيين وأفغان وفلسطينيين استقلّوا هذا القارب المتهالك  لسبب واحد الهروب من الموت في بلدانهم ليجابههم الموت في رحلة هروبهم وهم بذلك ماتوا مرتين الأولى الموت القهري البطيء بسبب عدم اعتراف الدولة بوجودهم  أصلاً،  والثانية حيث الروح تخرج من الجسد،  الفرق بينهما أن الأولى تموت في بلدك وبين أهلك وفي الثانية تموت في بلادٍ ليست بلادك سافرت إليها بحثاً عن حياةٍ أجمل، فإذا بها تفاجئك بالموت. 

“أعلى درجات اليأس أن يصبح الموت أرحم من الحياة” 

بعد مرور أكثر من عقد على الحرب في سوريا، ورغم عودة  الهدوء الأمني   نسبياً ، فإن البقاء في البلاد  أصبح “كابوساً” يلازم كل السوريين، وأن لا حل  إلا في الهروب بحثاً عن مستقبل بعيداً عن خدمة  التجنيد  الإجبارية والملاحقات الأمنية والظروف المعيشية الصعبة.

حادثة الغرق التي وُصِفت بالأسوأ من نوعها في تاريخ اليونان حرّكت الأمم المتحدة، حيث طالبت بفتح المزيد من قنوات الهجرة النظامية، واتخاذ الترتيبات اللازمة لاتخاذ جميع سبل حماية ورعاية من يتم إنقاذهم في البحر، والتأكيد إلى الحاجة إلى تتبع مهربي وتجار البشر والتأكد من تقديمهم إلى العدالة، وتزامنت هذه الدعوات مع تحرك السلطات اليونانية، إذ أعلنت قوات الشرطة في البلاد أنهم احتجزوا ما يشتبه بأنهم من مهربي البشر لمحاكمتهم محاكمه عادلة وهناك أصوات تنادي بمن يجب محاكمتهم أيضاً، وهم المسؤولون الأساسيون عن تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد التي تدفع الناس إلى الموت وأن يكونوا طعاماً للأسماك في البحار فالموت ليس هو أكبر خسارتهم في الحياة، خسارتهم الأكبر هي ما يموت بداخلهم وهم على قيد الحياة.

إنها اختيارات السوريين "قوارب الموت... ولا ذل الحياة" 

كارثة إنسانية ضخمة تضاف إلى سجل كوارث السوريين التي تلاحقهم منذ أكثر من عشر سنوات، مأساة سوريا مأساة بحجم الوطن وفي مواجهة هذه المأساة يشعر المرء بمحدودية الكلمات ومساحات التعبير.. الجرح عميق والمصيبة كبيرة ولكن لا بد من عدم فقدان الأمل والاستمرار لأن الحياة تمضي ويكون الوفاء لشرفاء سوريا الراحلين بالبقاء على قيد الأمل.

التعليقات (10)

    اهم شي ثيادته بخير

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    لا يهم ملايين السورين الذين يموتون يومياً جوعاً وقهرا وغرقاً وتشريدا ً للهروب من حكم عائلة إجرامية لا تعرف الحرام والرحمة ولكن تعرف فقط سرقة و استغلال واستعباد الشعوب .. تعرف فقط كيف تبيع الوطن وتشرد شعب ليبقى ثيادته في القصر يعيش حياة 10 نجوم ...ولكن فرعون ذلك الطاغية، الذي خيل له أنه إله، يملك حق استعباد البشر، فيقتل من يشاء، يستبيح من خلق الله كيفما يشاء اين هو اليوم ؟؟؟ في نار جهنم وبئس المصير

    أحسنت

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    نعم نحن نطالب بمحاكمة المسؤلين الأساسيين عن الأوضاع المزرية التي نعيشها في بلاد العرب التي تدفع الناس إلى الموت ولا ترضى الذل وهذه كانت شعارات ثورتنا التي التهمها القريب قبل العدو

    د كمال غرايبه

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    تحليل جميل ودقيق جداااااااااا، نتألم معك اخ نوار لما آلت إليه الأوضاع في سوريا ونتمنى من الله أن تعود سوريا لتحيا حياة الدول الراقية تنافس في العلم والاقتصاد والتجار وغيره.

    سوريه

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    ووووو شئ رهيب ما يجبر المواطن على بيع الشخص كل ما يمتلك ببما يعادل قيمة تهريب شخص واحد لينقذ العائلة فيما بعد ليمضي بعدها إلى رحلة الموت غرقاً

    نعم كل ذلك

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    نعم كل ذلك و اكثر منهم من يهرب انتحارا نسبة الادوية المهدئة هي الاكثر مبيعاً في الصيدليات مستوى نسبة الجريمة و القتل ارتفع بشكل كبير لا يمر يوم لا نسمع عن جريمة رهيبة بقصد السرقة الرواتب انعدمت قيمتها و تقديم الاستقالات بلغ حده الاقصى مع رفض الدولة الموافقة عليها و التهديد بالسجن لمن يتسرب قبل الموافقة طبعا ضعف مناعة عام لدى الجميع نتيجة انحدار مستوى الحالة الاقتصادية و انعدام القدرة الشرائية .... الجباية وصلت حد لا يطاق

    مواطن

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    طبعا المواطن فضل الصمت و الموت جوعاً على السجن او التصفية

    فيصل

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    سوريا تحولت من جمهورية الى امبراطورية تاجها الفقر والبطالة ومصنع للموت والمخدرات

    أحمد

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    مقال مهم ...فيه قراءة تحليلية للهجرة ومخاطرها واسبابها...شكرًا استاذ نوار

    محب بلاد الشام

    ·منذ 9 أشهر 3 أسابيع
    من المستفيد من هذه الهجرة غير الشرعية او الشرعيه من سوريا إلى أوروبا والعالم ؟؟؟ العلويون ، إيران ، روسيا ، إسرائيل ، أمريكا ...ليش ؟؟؟؟؟ لأنها تفريغ سوريا من شباب اهل السنه بشكل رئيسي

    الله ينتقم منكم

    ·منذ 9 أشهر 3 أسابيع
    انا برأيي المسؤولية الاساسية تقع ع من يعتبرون نفسهم مثقفين من حرض ع الثورة وطلب اللجوء السياسي الى أمريكا وفرنسا من السفارة وسافر وترك هؤلاء الشباب في اتون الحرب الله ينتقم منهم
10

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات