داعش أجبره على تغيير دينه وأصدقاؤه رفضوا التخلي عنه.. مسنّ أرمني يتمسّك بالعيش في جرابلس

داعش أجبره على تغيير دينه وأصدقاؤه رفضوا التخلي عنه.. مسنّ أرمني يتمسّك بالعيش في جرابلس

ليس في الحسبان أن 86 عاماً بأيامها الطويلة سترحم صاحبها الذي تاه في الزمان وبؤس المكان الذي يسكنه الآن مع قريبته السبعينية، حيث قادتنا الخطوات لهم لتبليل ذاكرتهم برفقٍ كحبّات المطر الصيفي الذي كان ينهمر وقتها.

في مدينة جرابلس وبشارع "الريجي" تحديداً، يسكن أرتين ككج أدوريان، وهذا اسمه في الهوية الشخصية، من مواليد مدينة جرابلس عام 1937، والتي أخرجها لنا من جيب معطفه لنشاهدها.

ويسكن معه أيضاً بنت طائفته وقريبته من طرف والدته حسب قوله، سيرون جنلكريان والتي ولدت في جرابلس أيضاً عام 1951، ويتحدث أرتين اللغة العربية المكسرة، فيما تتحدث سيرون العربية باللهجة المصرية.

ومن خلال حديثنا مع أرتين الذي حاولنا مراراً سماعه بشكل جيد حتى نفهم حديثه، تبين أنه يجيد اللغة التركية وقليلاً من الفرنسية، ويقول إنه عاصر وجود الحامية الفرنسية بجرابلس وكان عمره وقتها 8 سنوات.

ولم يغادر جرابلس التي هاجر إليها أبناء طائفته الأرمن منذ حوالي قرن تقريباً، وشيدوا في المدينة حياً كاملاً ما زالت بعض بيوته قائمة حتى الآن، بالإضافة للكنائس التي ما زال جزء من بناء إحداها موجوداً.

وبحسب أرتين، فإن جميع أقاربه من الطائفة الأرمنية، تركوا البلد بعد أن أقاموا فيها مدة طويلة وتعايشوا مع أهلها بكل ود وسلام، ومارسوا أعمالهم الحرفية والصناعية على أكمل وجه دون قيود تذكر، ولكن طموحات أبنائهم الذين ولدوا في جرابلس، أصبحت تتجه للبحث عن موطن آخر، لتوسيع أعمالهم الحرفية وتطويرها وتلبية طموحاتهم العلمية، وغادروا على فترات من الزمن جميعهم نحو مدينة حلب، وآخرون نحو لبنان وما زالوا هناك.

ولحق بهم إخوته وكذلك زوجته مع أبنائه الستة "أربعة ذكور وبنتان" في عام 1982، في حين بقي أرتين مع والده المريض الذي كان يعيش معه ومات عام 1984 ودفن بجرابلس.

وقال أرتين إن حبه الشديد لأبيه وكذلك حب والده له جعله يؤثر البقاء معه، وكان سكن والده معه دون إخوته الآخرين سبباً في خلافه مع زوجته، مضيفاً أن عائلته انتقلت للعيش في لبنان، وما زال يعيش أحدهم هناك وآخر بكندا، في حين توفي اثنان من أولاده وهم أكوب وسركيس، وتوفيت زوجته عام 2000.

وحاول أولاده الذين كانوا يزورنه بين الحين والآخر، إقناعه مراراً بترك جرابلس والعيش معهم، ولكنه رفض ذلك، ولم يعد له أي تواصل معهم منذ 12 عاماً.

وقال لنا صديقه شوكت الخياط، الذي تعلم منه الخياطة ومن ثم أصبحا شركاء في العمل، وما زال يقدم له الرعاية ويجلب له حاجياته، إنه منذ شهور قليلة تواصلت معه ابنة أخيه وتدعى أم ساكو، تقيم في أرمينيا وتأتي بين الحين والآخر لبيتها في حلب، ورفض أرتين الحديث معها، فيما نقل لها صديقه حاله وأحواله.

أرتين يعرفه أغلب أهل جرابلس، وسمعته عطرة عند الجميع، على عكس حاله هذه الأيام، ويقول أرتين، إن أبناء طائفته أغلبهم يتمتعون بهذه القيم الأخلاقية، ويتقنون عملهم بمهارة، ويتنهد بحسرة قائلاً إنه كان يعرف مقاس الزبون الذي يأتي لتفصيل لباس في محله دون أن يستعمل المتر أو أداة قياس أخرى لجميع مكونات اللباس على اختلافها، سواء كان بنطالاً أو قميصاً أو ثوباً رجالياً "كلابية".

وعن ذكرياته، يقول أرتين، إنه كان يقضي نهاره في دكان الخياطة، وفي فترة العصر والمساء يذهب للمقهى ويجلس مع أصدقائه من أهل المدينة، ويلعب معهم الورق، ويضيف أنه كان يلعب معهم لعبة تسمى "الغلاف" وهي لعبة حظ ومراهنة، بحيث يشتري من يدخل فيها ورقة يانصيب تحمل رقماً يقع بين الصفر و99 بمبلغ من المال يدفعه لأرتين، وينتظر نتائج السحب على جائزة يانصيب المعرض الذي كان يتم السحب عليه كل يوم ثلاثاء، فإذا وافق الرقم الذي راهن عليه الشخص آخر رقمين من رقم ورقة الجائزة الكبرى فإنه يربح وإن لم تتطابق الأرقام يخسر.

وعن أمانته تحدث لنا أحد أصدقائه من أبناء جرابلس، قائلاً: أثناء ذهاب أرتين لمدينة حلب لجلب قماش، أوصاه شخص من المدينة أن يشتري له ورقة يانصيب، مشيراً إلى أن أرتين اشترى ورقتين إحداها له والأخرى للشخص الذي أوصاه، وكتب على كل ورقة اسم صاحبها، ورجع عائداً لجرابلس، وبقيت بطاقتا اليانصيب عنده، وفي الموعد المحدد للسحب على الجوائز ربحت ورقة الشخص الذي أوصاه 7 ملايين ليرة سورية، وذهب أرتين لعند الشخص وأخبره أن بطاقته ربحت، حيث استلم جائزته من بريد حلب وأكرم أرتين نظراً لصدقه وأمانته، دون أن يطلب منه، 370 ألف ليرة سورية.

أرتين بيته الأصلي الذي ولد فيه كان بحي الأرمن قرب الكنيسة، التي كان قيماً عليها ويحرسها، والتي ما زال جزء منها باقياً حتى الآن وأصبح مستودع أسمنت، والباقي من أرضها أقيم عليه بناء سكني ومحلات تجارية.

ذكر أرتين أنه مارس دور الوسيط بين المطرانية الأرمنية بحلب وشاريها، وتم بيعها حسب ما يذكر مطلع عام 2000 مقابل مبلغ مالي متفق عليه بين المطرانية والشاري، ولكن مطران الأرمن بحلب حينها بطرس مراياتي الذي يحفظ اسمه حتى الآن لم يفِ بوعده لأرتين بمنحه ملكية بيت بحلب، في حين أعطاه الشاري شقة سكنية بمدينة جرابلس، ونتيجة ضيق حالته المادية باعها وصرف جزءاً من ثمنها، وما تبقى معه من مال ارتهن به البيت الذي يسكنه الآن، ويرفض أرتين أن يغادر جرابلس أو أن يلتحق بأبنائه.

البيت الذي يسكنه الآن تعرض لأضرار كبيرة نتيجة الزلزال الذي ضرب تركيا والشمال السوري مطلع العام الجاري، وتغص غرف البيت وهي ثلاثة، بالروائح الغريبة وتفوح منها رائحة كريهة، وبسط ووسائد وماكينة خياطة وأدوات طبخ، ولوحات ورسوم وتعويذات دينية كتب عليها باللغة الأرمنية وصور للمسيح ومريم العذراء، مشربة جميعها بالحنين للماضي والقدم.

أرتين، طويل القامة بعين واحدة، حيث فقد إحداها في صغره نتيجة إصابتها بأداة حادة، ولحية وشارب علاهما الشيب، فاقد لجميع أسنانه، هادئ جداً، نظرته صارمة، يريد أن يبقى ويموت في جرابلس كملاذه الأول والأخير، ويقول بعد تركه وحيداً ومغادرة عائلته، إنه أصبح مدخناً شرهاً يستهلك الكثير من الدخان وثلاث علب كبريت يوماً.

الآن يفتقد الكثير من نشاطه والحديث ولعب الورق مع أصدقائه في مقاهي جرابلس، حيث ضعفت قواه نتيجة كبر سنه، وأصبحت حركته بسيطة جداً، وظهرت جميع عروق جسده وحفرت التجاعيد وجهه، وظهرت قلة النظافة والاهتمام الشخصي على ملابسه وطول أظافره وشاله الذي يعلو رأسه، وبالرغم من كل ذلك يوحي لك بشجاعته وكرمه وثقته واعتزازه بنفسه.

سيرون رفيقة سكنه

سبعينية تعيش مع أرتين بنفس البيت، وعلى كرسي متحرك نتيجة مرضها ورضّ عظمي في وركها، وزيادة كبيرة في وزنها، يعلو بياض الشيب رأسها.

سيرون وبلهجتها المصرية تقول إنها غادرت جرابلس مع أهلها وعمرها 12 عاماً، وسكنت معهم بحلب بحي الميدان، وتزوجت من أحد أقاربها ورزقت منه ببنتها الوحيدة التي تعيش في أرمينيا حسب قولها.

وأضافت أنها بعد سنوات قليلة من زواجها، حصل انفصال بينها وبين زوجها، وتركت بنتها عنده وذهبت للبنان، وهناك تعرفت من خلال أحد أقاربها على أمين الجميل وتطوعت بحزب الكتائب كممرضة.

وتقول إنها شهدت أحداث الحرب الأهلية اللبنانية كاملة، حتى وفاة الجميل، ومن ثم غادرت لمصر وهناك حسب قولها، درست علوم الطب البديل وعملت بمشفى القصر العيني في القاهرة كممرضة، ودامت معيشتها في مصر حوالي 35 عاماً.

وتسرد قائلةً: إنها عادت لسوريا عام 2009 قادمة من مصر، ولم تفصح لنا عن سبب مغادرتها مصر رغم الإلحاح بسؤالنا، وتقول قدمت لحلب ومنها لجرابلس التي ولدت فيها، واستضافني هلال القبضاي من أبناء جرابلس في بيته ومع عائلته لمدة ثلاثة شهور وقدموا لي المسكن والمأكل وكل ما أحتاج، ومن ثم استأجرت بيتاً بالقرب منهم وعملت بالطب البديل والعلاج الشعبي ومعالجة العقم عند النساء.

وفي غرفتها التي تسكنها والتي تقول عنها عيادة/ ما زال في زاوية منها الكثير من الأعشاب الطبية المعبأة بعلب بلاستيكية، فوقهم شهادة في تجارة الأعشاب الطبية صادرة وزارة الاقتصاد السورية عام 2010.

وعندما سمع أرتين أنها تعيش لوحدها، أحضر عدداً من أصدقائه وطلب منها السكن معه بغرفة خاصة بها، وقال لأصدقائه اشهدوا أن سيرون بمثابة أختي، وهي لا تزال تناديه بلكنتها المصرية جدو.

سيرون سكنت مع أرتين وكانت تقدم له كل ما يحتاجه من طعام ورعاية، وخدمة البيت ونظافته، ولكن منذ سنوات أصبحت تعاني من آلام في الظهر وزيادة في الوزن ولم تعد تستطيع الحركة إلا على كرسي متحرك، وأصبح أرتين الذي يكبرها بسنوات يخرجها لساحة البيت التي تفصل بين غرفه ومساعدتها في قضاء حاجتها ومساعدتها في النوم على سريرها الذي يبعد عن سريره أمتاراً قليلة، وتمتلك سيرون هاتفاً وتتواصل مع ابنتها الوحيدة التي تقيم في أرمينيا حسب قولها.

داعش وأرتين وسيرون

بقي أرتين في جرابلس مع سيرون برغم كل الظروف وتبدل حاله وحال البلاد وخروج جرابلس عن سيطرة الأسد، ومن ثم سيطرة تنظيم داعش عليها عام 2014 أجبر مكرهاً على اعتناق الإسلام من قبل تنظيم داعش، ونفى نفياً قاطعاً ما تناقلته بعض المواقع الإعلامية عن إرغامه على الإسلام من قبل الجيش الحر، أو سلطات المعارضة السورية التي دخلت لتحرير جرابلس عام 2016.

وتدخلت سيرون قائلة إن عناصر تنظيم داعش طلبوا منهما الإسلام والزواج منها أو تنفيذ أحكامهم بحقهم، وقاموا بتسمية أرتين "علي يعقوب" وسيرون "فاطمة الزهراء".

وجاء عناصر داعش بشهود على إشهار إسلامهم وزواجهم، ولكن الزواج حسب قول سيرون، بقي فقط على الورق ولم يحصل أي علاقة زوجية بينها وبين أرتين.

وقال أرتين إنه أصبح يرتاد المسجد في أوقات الصلاة، وكذلك قال أصدقاؤه إنه بقي يذهب للمسجد حتى تحرير مدينة جرابلس من تنظيم داعش، مضيفاً أنه منذ سنوات لم يعد قادراً على الخروج من البيت، ولم تعد حالته الصحية يسعفه وبقي إعلان إسلامه قابعاً في نفسه.

وقال بالحرف الواحد: الدين حسن معاملة وصدق ولن أزيد أكثر.

وبالرغم من إجبار داعش أرتين على الإسلام، يعترف أرتين والمشهود له بالصدق من أبناء جرابلس، إلا أن تنظيم داعش قدم له المساعدة المالية والعينية من خلال ما يسمى ديوان الزكاة، وأظهر لنا تلك البطاقة التي كان يمنح من خلالها مبالغ مالية وعينية. 

فيما قالت سيرون، إن أحد عناصر تنظيم داعش وكان مصري الجنسية حسب قولها، ساعدها أثناء حديثها معه باللهجة المصرية، باستخراج إذن سفر إلى لبنان لزيارة بنتها الوحيدة.

ختم أرتين وسيرون، حديثهما بالشكوى والتذمر من مسؤولي السلطات المحلية والدينية في جرابلس على اختلافها، وأنه لم يبادر أي أحد منهم لزيارتهم وتفقد حالهم وعدم تقديم لهم سوى القليل من المساعدات العينية، ومنحة مالية بسيطة من إحدى منظمات المجتمع المدني العاملة في المدينة، يصرفون جزءاً منه على فواتير الكهرباء التي يشكون من ارتفاع سعرها.

ويقول أرتين إن أكثر ما يقدّم لهما يأتي من أصدقائه وأهل الخير وجيرانه من أهل المدينة، فمازال صديقه شوكت الخياط الذي علّمه أرتين الخياطة يجلب لهم الخبز كل يوم، وما يحتاجون، ويرفض أرتين طلب المساعدة من أحد، وقد تعرض البيت الذي يسكنه للسرقة مرتين إحداها قبل أسبوع حيث سرق منهم ما يملكونه من مال، وقبل شهور سُرقت أدوات طبخهم.

ويصر رغم حاله وفقره على إكرام ضيوفه وتقديم الضيافة المتوفرة عنده. ويحتاج البيت الذي يسكنونه الآن لترميم بعد أن تعرض جزء كبير منه للزلزال وسقط الكثير من حجارته، وكذلك يحتاج لصيانة ونظافة شاملة بجميع أركانه وكل محتوياته التي يظهر عليها بشكل واضح الوسخ الإهمال وعدم النظافة وتفوح منها رائحة العفن.

أرتين وسيرون عاجزان وبحاجة قصوى لمن يهتم بهما، فهما بأمس الحاجة لمن يهتم بنظافتهما الشخصية وقضاء حوائجهما وتقديم الطعام لهما، ولا يوجد في مدينة جرابلس دار للعجزة ترعاهما.

وأثناء بحثنا عن أصدقائهم، قال أحد أبناء المدينة لم يود ذكر اسمه، إنه مستعد للتبرع بأرض مجاناً لإقامة دار عجزة في جرابلس من قبل السلطات المحلية لتحتوي أرتين وسيرون وغيرهما من الحالات المشابهة.

قبل مغادرتي بيته، قام أرتين وجلس خلف ماكينة الخياطة من نوع "سنجر" والتي قد يوازي تاريخ صنعها سنوات عمره، ووضع كفه فوقها ونقر على خشبها مدندناً بكلمات لم أفهمها، وجال نظره في المكان، الذي لوى جسمه عبر سنين الزمان، ويوحي لناظره أنه رجل عملٍ حازم وتستطيع أن تمازحه دون أن تمس كرامته، فهو حساس لدرجة الغضب. فيما بقيت سيرون غائصة في كرسيها ويدها على خدها ويدها الأخرى تلوح لنا مودعة.

 

التعليقات (4)

    خالد الجادر

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    كل الشكر على التقرير الجيد من اخي الإعلام الحر ابو ساجر

    الصياد

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    ارتين ارتين انا من جرابلس وارتين والارمن هم اللذين بنو جرابلس شخص حساس مثقف عالي الاخلاق

    رمضان محمد

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    جزاكم الله خيرا لكل من يقدم العون لي هؤلاء الذي لم يبقى لهم عونا إلا الله والخيرين

    gg

    ·منذ 9 أشهر 4 أسابيع
    مشان تعرفو الحكم في زمن الدولة الاسلامية كيف وفي زمن الحر امية كيف يارجل كروم الفستق وهي في البرية ما خلصت من السرقة والحرامية في وقت الحر امية
4

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات