عن الموت.. والموت السوري

عن الموت.. والموت السوري

أفضل الموت موت الفراش، تستقرّ على فراشك وتنام فلا تستيقظ أبداً، هكذا بلا مقدّمات أو مؤشّرات أو مؤثّرات، ولكنّ هذه الحالة ليست شائعةً في الحقيقة، فمن ينامون ولا يستيقظون أبداً قلائل جدّاً، والحديث ليس عن المرضى المنهكين أو الجرحى النازفين أو عن ذوي الأسقام البدنية الدائمة أو العاهات الجسدية المستمرّة أو أصحاب الأوجاع والآلام التي تخلّفها الأمراض السريرية، بل عن الأشخاص العاديين الذين يعيشون بلا عاهات أو إصابات أو أمراض أو أسقام، فينامون ولا يستيقظون، ما أسعدهم!. 

من أجمل الأقوال الذكية بل الخارقة حول "الموت" ما قاله "مارك توين"، الكاتب الأمريكي الساخر الذي من أشهر مؤلّفاته التي عرفناها في صِغرنا من خلال أفلام الصور المتحرّكة "مغامرات توم سوير"، وهو أيضاً صاحب الرواية المصنّفة كأعظم رواية أمريكية "مغامرات هاكلبيري فين" اللاحقة لمغامرات "توم سوير"، وكذلك هو مؤلّف رواية "الأمير والفقير" المشهورة. لقد قال "مارك توين" وللمعلومة هذا ليس اسمه الحقيقي: (أنا لا أخاف من الموت، فلقد كنت ميتاً قبل أن أولد للملايين من السنوات، ولم أنزعج خلالها أبداً!). 

أرجو ألّا "ينطّ" أحد ما فيقول: هذا مُلحِد ويعتقد بالعدمية (توين أقصد)، وأنّ كلامه يعني أنّنا وُجِدنا من العدم وإليه نعود، في الحقيقة ليس لديّ تفسير أو تأويل لمقاصد الناس ونواياهم خاصّةً "الموتى"، فربّما قصد "توين" أنّ الله الذي خلقه لم يعذّبه قبل خلقه فلماذا يخشى عذاب الله بعد أن يأخذ أمانته؟، وربّما شيء آخر أشدّ عمقاً وتركيزاً ممّا يبدو، وربّما لا شيء سوى التهكّم على الموت، هكذا بفلسفة الأديب الساخر. 

مع الموت وفلسفة السخرية منه وفي قضيّته، يقول "أبو العتاهية": 

إنْ كانَ لا بدَّ من موتٍ فما كَلَفي

وما عنائي بما يدعو إلى الكُلَف؟. 

ليس ثمّة ما يدعو للشرح، واضحة.. إن كنتُ سأموت فلماذا هذا الولع بالحياة، ولماذا كلّ هذا العناء والتكلّف وتجشّم المشقّات أو المشاقّ؟، باختصار.. "ما حرزانة القصة أبداً كلّ هالوجع الراس والقلب!". 

في الحقيقة تتراوح وتتفاوت الآراء التي تسخر من "الموت"، كما تتراوح وتتفاوت آراء أصحابها وعقائدهم نحوه، بين من يؤمنون بأهمّية وجدوى الحياة وأحقّية الآخرة والحساب والأبدية، وصولاً إلى من لا يؤمنون سوى بعبثية الحياة ويُنكرون البعث!، "يا عيب الشوم.. من يُنكر "البعث"؟. 

يقودنا "البعث" الآن إلى "الثورة السورية العظيمة"، أليس طبيعياً أن يأخذنا مقال مكتوب عن الموت والبعث إليها؟، حسناً.. في البداية، بداية الحديث عن الثورة والموت وعن بداية الثورة نفسها، ثمّة هتافان وحيدان لم ينتشرا أبداً سمعتُهما في البداية، بأمّ قلبي سمعتُهما، الأوّل كان تساؤلياً جدلياً صرخت به "أمّ صالح" حين حُمِلَ إليها ابنها الشابّ الوسيم بعد ساعات من "مظاهرة"، مظاهرة لا غير واللهِ، فقالت: (ولك يقبرني هالوش ما أحلاه.. ولك يا ويلي منّك يا ربّي، ليش هيك؟)، وأمّا الثاني فكان تعجّبياً شديد اللهجة قليلاً لمّا صاح "أبو عامر" عندما أخبروه بغرق ابنه في "بحر إيجه"، تعرفون لماذا يغرق الناس في بحر إيجه؟، قال أبو عامر: (يا ربّي.. عبّينا الأرض دمّ، اي كمان البحر!). 

في هاتين الحالتين وغيرهما مئات ألوف الحالات الأخرى، لا يمكن أبداً أن نفكّر بلا يجوز "عيب" يعني، كما وبمسألة إيمان أو إلحاد أو إشراك أو كفر أمّ صالح أو أبي عامر وغيرهما أبداً، يمكن التفكير بمسألتي الجنون والثأر وليس بالجنّة والنار، "الله ينتقم منّك يا بشّار"، ليست تكفي. 

لا تكفي كلّ التعابير غير الممكنة لوصف أسوأ الموت، فأسوأ الموت ليس الطريقة التي يتمّ بها، بل التدابير والمقادير والظروف، قتل الناس قصفاً وإماتتهم غرقاً حرقاً خنقاً برداً جوعاً قهراً، هذا يحدث، منذ القدم يحدث، هكذا حال "البشرية الشنعاء"، أمّا كلّ ذلك معاً وإلخ لكنّما جماعياً، "بدها صفنة طويلة جدّاً الحقيقة"، طويلة حتّى حلول موعد الموت مهما ابتعد أو طال انتظاره، كيف يموت الناس بالجملة يا ربّي؟، هل نحن ذباب؟، حسناً ذباب لا بأس، طيّب.. كيف يموت عشرات الآلاف من الذباب ولا يموتون يا ربّي؟، كيف تمرّ عشر سنوات مثلاً على مئتي ألف من الذباب يموتون ولا يموتون؟، عن المعتقلين في سجون بشار الأسد الحيّ ابن الرجس والغيّ، واضح الحديث؟، الحديث ليس عن الموت، بل عن الموت المستمرّ بلا موت، وليس بعد النوم على فراش!. 

قرأت مرّةً مقالةً تحاول أن تُشير إلى أمر ما لا يمكنني حقيقةً أن ألتقطه "علمياً" أو أن أؤكّد أنّه بات ظاهرة بالفعل، وهو أنّ "الأخيار" يموتون قبل غيرهم، هكذا نعم، وربّما أشار الكاتب إلى أسباب ما تعجّل بـ "رحيل الطيّبين"، منها خبثُ هذا العالم وظلمه وسفالته وتناقضه، لكنّ الأهمّ الذي أُشيرَ إليه بظنّي هو "يقظة الضمير"، يقظة الضمير تؤدّي حتماً إلى صراع بين من استيقظت ضمائرهم وبين من لا سبيل لهم إلى ذلك أصلاً، ذاته صراع الخير مع الشرّ، لكنّ استفحال الشرّ يعني أن تغلب الكثرة الباطلة الشجاعة والحقّ. 

أخيراً.. موقع ما من مواقع "الذكاء الاصطناعي" يُجيب عن السؤال حول كم عدد القتلى في سوريا بعد الثورة على الشكل التالي: (وفقاً لتقارير منظّمات حقوق الإنسان والمنظّمات الإنسانية المختلفة، يُقدَّر أنّ عدد الضحايا في الحرب السورية يتراوح بين "مئات الآلاف وأكثر من مليون شخص"، تضمّ هذه الأرقام القتلى المدنيين والمقاتلين من جميع الأطراف المتصارعة والمفقودين والمعتقلين والمهجّرين، ومن المؤسف أنّه لا يوجد تقرير رسمي أو مصدر موثوق يمكن الاعتماد عليه لتحديد العدد الدقيق للضحايا). 

(الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء)، قال "محمود درويش"، واستطرد: أحياء الضمائر والقلوب، ونحن كما يقول الروائي الفرنسي "جيلبير سينويه": (نصبح موتى من اللحظة التي لا تعود لنا فيها جدوى!).

وإذاً.. من في الحقيقة حيّ منّا؟. 

التعليقات (1)

    قطش و لحش

    ·منذ 10 أشهر أسبوعين
    ...ما بيستحق المقال عناء القراءة. حياتنا جميع لها معنى، و مالازم نستسلم لليأس. و ربنا موجود وقادر. لازم الواحد يشكر ربنا بكل الاحوال. بالنسبة للمعتقلين و المعذبين رح بجي يوم و ينتهي عذابهم و ظالميهم هنن رح يتحاسبوا. أما مسألة الايمان بوجود الرب فهناك عدد كبير من الرسل الذين جاؤوا بمعجزات تثبت ان هناك رب.
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات