شغلة طويلة

شغلة طويلة

البارحة نشب نزاع حادّ في منزل جيراننا، وكان السبب بسيطاً للغاية، تأخّر ابنهم "سعيد" كثيراً في العودة إلى المنزل، فَعلا صياح أبيه وهرعت أمّه لتهدئته وفقد "سعيد" أعصابه وصار يصرخ وهكذا..، لكنّ "مصطفى" الأخ الكبير الظريف صاحب النُكتة تدخّل بين الأب والأخ، وقال لهما: يا عيب الشوم عليكن صرتو شباب ولسه عمتتقاتلو؟، ومن نُكتة إلى أخرى مضت الليلة ونام الجميع بلا ضغائن، وفي الصباح قبّل "سعيد" يد أبيه وقال: يو أبو مصطفى دخيل الله ما أحلاك!. 

الأسبوع الفائت كان ابن عمّي "مروان" في صحبة "علي الحلو" في "سوق المواسم" بلا هدف محدّد، فلا أحد منهما كان ينوي شراء شيء أو يقصد هدفاً ما، وعلى حين غرّة تشاجرا، هكذا بلا سبب مفهوم، ولم نعرف أبداً وحتّى الآن لماذا، كلّ ما فهمناه من جارنا المحترم "السوّاح"، أنّه سمع صراخاً فخرج وفرّق بينهما وأدخلهما إلى الدكّان، فصبّ الشاي وقال: ولك ما عيب عليكن صرلكن عشرين سنة رفقات تعملوا هيك؟، فلم ينبِسا. 

في بيتنا أيضاً حدثت مشكلة هذا الصباح، هكذا بلا سبب تجادلتُ أنا وصبحية في قضية مصيرية ووجودية، هي تقول: إذا ما رحنا لعند أهلي اليوم بكرة مارح روح لعند أهلك، وأنا أقول: ما دام هيك ماني رايح لعند أهلك لا اليوم ولا بعدين ولا تروحي لعند أهلي كمان بالناقص، وعلى زائد كم كلمة وناقص كم صحن تركت البيت ورحت لبيت أهلي، وحين وصلت فتح أبي الباب وقال: دي روح ارجاع على بيتك تضرب من بين "المسئفين". 

"على هاد ومتلو"، أي هكذا كانت تجري الأمور في البيت والحارة والمجتمع السوري، الحلول موجودة قبل المشاكل، فلا تكبر مشكلة إلّا وتصغر، وفي الحقيقة لا ضغائن أصلاً، في أسوأ الأحوال تنفيس عن غضب ومُهاترات من غير المسموح أن تتطوّر، ودائماً يوجد من يقف في وجهها ووجه أصحابها، فيردعهم بمحبّة كما فعل مصطفى أو بالتخجيل كما فعل السوّاح أو بالعفس على الرأس "أي التربية الصالحة" كما فعل أبي. 

الفكرة.. كان الجميع يبذلون كلّ ما أمكنهم ليحافظوا على استقرار أسرهم وعائلاتهم ومجتمعهم وعلاقاتهم بالأصدقاء والأقارب، وينبرون لحلّ مشاكلهم في البيت لأنّه أساس وجودهم وسعادتهم. 

بعد سنوات -بشكل أو بآخر- انخرط معظم أهل هذا المجتمع في "الثورة السورية"، ومنهم مصطفى وسعيد ومروان وعلي والسوّاح وأنا. 

مصطفى الظريف المُمازح وجد نفسه في "الجيش الحرّ" قال لنا: يا شباب هاد الكلب ما معو مزح!، وأخوه سعيد كان طالباً في "كلّية الإعلام" فأكمل مسيرته في نفس المجال مصوّراً ومراسلاً حيث استطاع، ابن عمّي مروان وعلي الحلو جعلا من "سوق المواسم" الذي تشاجرا فيه بلا سبب ميداناً للمظاهرات، فكان الأوّل هتّافاً محبوب الصوت والحضور، والثاني ذكيّاً بارعاً في "المسائل التنظيمية" كالأعلام واللافتات وأماكن التجمّع والطرقات والأدوات الأخرى، كما وتطوّع "السوّاح" الخمسينيّ في "الدفاع المدني"، وأمّا أنا فلقد اندفعت للكتابة بغزارة عن نُبل الثورة ومجدها وعن سفالة النظام وإجرامه.

على اختلاف مسالكنا، كُنّا جيراناً وأولاد حارة واحدة ومشارب متقاربة، فصرنا أصدقاء وأخوة ورفاق ثورة، الثورة جمعتنا تماماً وهذّبتنا فمضينا فيها وفي سبيلها بلا تردّد، وظلّ أبي يراقب مشاهدها وأخبارها ويراقبنا بمحبّة ولهفة وأمل، وينتظر بحرارة دائماً أن نطمئنه عن أحوالنا الجيّدة. 

وضعت المظاهرات أوزارها، وقُضي تماماً على أيّ أفق لحلّ سياسي، فشل الحلّ العسكري، صار لدينا هيئات ومجالس ومؤتمرات ومحارس، فصائل ميليشيات وقاذورات، دمّر المجرم المهبول سوريا برمّتها، تشرّد من بقي من الناس الذين لم يقتلهم أو يخطفهم، المجتمع الدولي، التدخل الخارجي، الاحتلال، التطرّف، سرقة الثورة..، والله لا داعي لإكمال هذه الفقرة، بل لا داعي لها أصلاً، الحديث عن ذلك أصبح يا للهول.. سخيفاً!. 

اثنتا عشرة سنة وما زال أبي وقد بلغ الثمانين يُراقب، يُشاهد ويسمع الأخبار، وينتظر ثمّ ينتظر، أصلاً.. غير هذا ما يمكنه أن يفعل؟. 

البارحة سألني: لك ابني.. ابن عمّك مروان ليش متقاتل مع السوّاح؟، صحيح متناغشين على قصة ثورة وما ثورة؟

- هيك سمعت، بس ما بعرف التفاصيل، يمكن قايلو ابن عمي للسواح: اللي بيشتغل مع الائتلاف ما بيطلعلو يحكي عن ثورة.

- طيب ليش ما حكيت مع حدا منن وفهمت القصة؟

- ما لي علاقة يصطفلو، أصلاً مروان جحش وعلي على أجحشين.. 

- الله لا يعطيك العافية كيف مالك علاقة؟ بعدين هلق صار مروان وعلي جحيش؟، طيب ومصطفى إش إلو علاقة بالقصة لحتى كيتب عنا؟

- وأنت إش عرّفك ياب بقصة الكتابة؟

- بالفيسبوك قالت أختك، الصبح حكت لي كل شي.

- الحق على سعيد أخوه، قال اللي عميشتغل مع الإنقاذ ما بحقلو يفتح تمو، وما ظل محل ما كتب فيه عنو، قال إعلامي قال..

- وأنت ليش ما بتحكي مع سعيد وبتحلّ هالقصّة؟

- أنا حيظرو لسعيد ياب، مروان بيظل ابن عمي. 

- إش يعني حيظرو؟

- يعني لا بحكي معو ولا بيحكي معي..

- الله يعطيكن العافية، كنا أكبر مشكلة ببيوتنا نحلا بدقيقتين، لو تعاملتوا مع الثورة بنفس المنطق والطريقة اللي كنا نحل فيها مشاكلنا كنا وصلنا لهالمواصيل؟، طلعتوا ثورة ورفعتوا راسنا، وخرّب ابن الحرام البلد، وما ظل شي ينبكى عليه، بتقوموا بعد طنعشر سنة بتتقاتلوا عالفيس بوك؟، روح خبّر ابن عمك والسوّاح وصالحوا لسعيد، الله يرضى عليكن، والله العمر قصير لك ابني والثورة شغلة طويلة لك ابني.

والله شغلة طويلة..  

التعليقات (4)

    مقال تافه

    ·منذ 11 شهر 3 أسابيع
    تفاهة وسخافة

    مجد

    ·منذ 11 شهر 3 أسابيع
    تضرب انت وسعيد والسواح والناشر كمان كاتب من سوق الجمعه

    الشرق

    ·منذ 11 شهر أسبوعين
    هزلت يا اورينت كتّاب بسطات

    ....

    ·منذ 10 أشهر 4 أسابيع
    متعة قراءة مقالاتك أستاذنا لاتعادلها متعة ، هي الأقرب لنا ، تلامس القلب قبل العقل . بالفعل شكرا لك
4

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات