"الدوّيرة"

"الدوّيرة"

عند "الدوّيرة" المركز الإنساني المجتمعي الثقافي في الحارة الشمالية من إدلب، ما زال بالإمكان سماع الكثير عن الثورة، بقصصها المؤلمة والجميلة، بالتفاصيل الغنية والمثيرة، والأهمّ.. بروحها، روحها التي يبدو أنّها لم تخبُ أبداً، وبدليل قاطع: استمرار قنوات الذاكرة بالعبور، جميل الصبر والتحمّل، ونزعة الحذر والترقّب، وإيمان من نوع ما ليس منطقياً ربمّا، لكنّه هكذا -يا سبحان الله- هادئ وعميق!. 

عند "الدوّيرة" المركز الحضري في الحارة الشمالية من إدلب مازال بالإمكان سماع الكثير من القصص والحكايات عن الثورة السورية-الإدلبية، طبعاً هذا لا يعني أنّ لإدلب ثورتها الخاصّة المتفرّدة عن ثورة أحرار سوريا، بل إنّ لإدلب ثورة تميّزت بطبائع إدلبية شائعة، ومن أهمّها كما أزعم طابعي السخرية والنزق، حتّى يمكن القول إنّ "الأدالبة" بطبعهم ساخرون نزقون، لكن ليس السخرية بلا سبب ولا النزق لأتفه الأسباب، بل السخرية من المواقف الطريفة والأحوال الحرجة ومن المآلات العجيبة أو المزعجة أحياناً، وكذلك النزق الطائش الذي يظهر آلياً في المحلّ والوقت المناسبين، وإن اجتمعت السخرية مع النزق وحضرت الجرأة في الحقّ، فيا لها من مشاهد وعبر!. 

"الدوّيرة" التي استُهِلّ هذا المقال بذكرها هي الدوّار الطُرقي القائم في الحيّ الشمالي من إدلب والذي تصل الطرق المؤدّية إليه بين "دوّار المحريب" مدخل إدلب الشرقي وبين "دوّار المتنبّي" وحتّى "دوّار الفلّاحين" حيث مدخلها الغربي، كما ويصل بين بلدة "معرتمصرين" الواقعة شمال إدلب تماماً على بعد تسعة كيلومترات و"الساحة التحتانية" جنوب "الدوّيرة"، وأمّا لماذا أسمي هذا الدوّار -ودون غيره- بالدوّيرة، فالجواب ببساطة: هكذا.. مجرّد عفوية ساخرة، جعلت من دوّار الحي الشمالي فقط دوّيرة ولا يطلق هذا المصطلح على غيره من الدوّارت، وهي للحقيقة كثيرة في إدلب، حتّى يمكن عدّ عشرين دوّاراً فيها مقابل خمسة شوراع!.  

لكنّ للدويرة اسم رسمي هو الأكثر أهمّية، اسم عرفت به بعد السنة الأولى من الثورة تقريباً وهو "ساحة الشهداء"، فلقد أصبح المكان مركزاً للتجمّع والاحتفال والتظاهر ووجهةً تُحمَل عبرها مواكب جثامين الشهداء قبل التشييع الأخير، وحين شرع الأهالي بالهتاف لأوّل مرّة: "عالجنّة رايحين شهداء بالملايين" خلال جنازة تشييع شهيدين اثنين معاً، همس "أبو البرّ" في أذن "حمدو" قال: "لك خاي.. بالملايين مو كتير؟، فأجابه حمدو: هاد تخويف خاي، تخويف، أي اشو ما ضل خلق غيرنا تعبّي الجنة؟". 

هناك عند "الدوّيرة" خرجت الكثير من المظاهرات وأقيمت الاحتفالات والاعتصامات، ومرّت الكثير من الجنازات ونُصِبت الكثير من خيام العزاء، ثمّ انفضّ الناس وبقيت "الدوّيرة" تستذكر أيّام شبابها المكلوم. 

بقي أكثر أهالي الحيّ الشمالي في إدلب في بيوتهم أو في الحيّ، وقدّموا قبلاً زهراتهم الشمالية أقحوان وعنفوان الثورة قربان الحرّية، ومرّت على الناس هنا صنوف من الأشكال والأحوال، وتكدّست القصص والروايات، حتّى ما زال بالإمكان سماع التفاصيل الدقيقة عنها ممّن عاينها، قصص وروايات تحكي عن الحماسة والنخوة وصدق النوايا والإصرار والإخلاص، وتصف بصدق وعفوية حتّى الملامح التي ارتسمت دهشةً على وجه "خير الدين" حين أخبروه أنّ عضو الائتلاف الواحد يتقاضى راتباً شهرياً يشتري ثلاثة دونمات من أرض "بروما" المسقية بدماء شهداء إدلب حدّ الارتواء. 

عند "الدوّيرة" في حارة إدلب الشمالية تتقاطع المشاعر والمواجع والأفكار والقيم أيضاً تقاطع الطرقات في كلّ الاتّجاهات، فترى الحزن وترى الأمل، وترى القلوب المبصرة، وتراها المروءات المشرّفة، وقد ترى وتسمع بين حين وحين مسبّةً شماليةً ساخرةً نزقةً في غير مكانها وزمانها، إذ يصيح أبو عبدو الوزّان في وجه حسن أمام جميع الحضور في مجلس عزاء آخر عند "الدوّيرة" إثر سوء تفاهم عسكري: ولك العرس بكفر جالس والطبل بالفوعة، اش أخدكن على قميناس يا جحش؟. 

مات أحدهما برصاصة قنّاص تفجّرت في رأسه وقضى الآخر في أقبية الوحشية القذرة، وظلّت ذكريات الثورة العزيزة المرّة حاضرةً عند "الدوّيرة"، وإن أردتَ استعادةً صادقةً عميقةً لها، فما عليك سوى أن تأتي وتُنصت، وبدون أن تسأل ستجدنّ من يجيبون بدقّة على أسئلتك وإن كانت غير موجّهة أو محدّدة، وتظلّ طبائع الإجابات مثل طبائع الثورة في إدلب ساخرةً ونزِقة، وقد يزداد ذلك كلّما اشتدّت مرارة الحكايات: كان القصف شغّال، والدنيا زمهرير، ونحنا ستّ عيلات بغرفتين عالعضم بالبرية، إذا فتحنا الباب بنموت من البرد وإذا سكرناه بنختنق من الزحمة، وبالأخير بعتولنا صوبا عالحطب يا ريت اشتغلت.. كنا احترقنا وخلصنا!. 

في كلّ مدينة وبلدة وقرية سورية انتفضت وثارت توجد دوّيرات كثيرة، دويّرات للحكايا وللصمود، فيها ما تبقّى من الإحساس بمسؤولية الحفاظ على تصالح الألباب مع عِبَر الماضي وبمسؤولية الوعي والفهم، فهم ما جرى للثورة قبل أيّ شيء، كيف قامت، كيف هامت، وكيف نامت!. 

انتظر "عبّودي" "حمّودي" كثيراً ليعودا إلى إدلب معاً قبل الغروب، تواعدا في إحدى المزارع قرب "معرتمصرين" حتّى أتى حمّودي مستقلّاً سيّارة دفع رباعي حديثة وطلب من عبّودي الصعود. 

-    إن شالله بالهنا أبو صطيف.. 
-    إي الله يهنيك يو خاي، كويسة؟
-    إي إي كويسة، زكاتك وقف شوي عند الكازية لازمني ليترين بنزين. 

بالفعل نزل عبّودي وعاد بالبنزين، وطلب من حمّودي التوقّف قليلاً عند مقبرة الشهداء في "بروما"، وعندما نزلا من السيّارة قام عبّودي بسكب البنزين على السيّارة وأحرقها وحمّودي في ارتباك عظيم ودهشة رهيبة، حتّى التفت إليه عبّودي وقال له مشيراً إلى القبور: ولك يا واطي..هلق كل هودي استشهدوا من شان جنابك تركب هيك سيارة؟، ما مشكلة بسيطة بصير خير.. وتركه، وقبل أن يمضي استدار نحوه وقال: ترى ما حاسبت الزلمي أبو الكازية بالبنزينات، ارجاع لعندو وعطيه حقون، عمى الضربك. 

ثورة ساخرة نزقة كانت الثورة في "إدلب"، وجريئةً في الحقّ كانت. 

 

التعليقات (1)

    Om tharwat

    ·منذ 10 أشهر 4 أسابيع
    كانت حتى نال منها التعب .
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات